الشيخ محمد الصادقي
388
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
22 - وَلَمَّا تَوَجَّهَ في فراره تِلْقاءَ حذاء وقبالا على أشراف مَدْيَنَ تلقائيا : إذ لم يك يسأل أحدا ولا أنه يعرف طريقا ، فذلك التلقاء - إذا - رباني قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ إليه في ذلك التلقاء اللقاء ، لأنه فرار عن الظالم وقرار مع اللّه . 23 - وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ عند ذلك التلقاء وَجَدَ عَلَيْهِ محيطين أُمَّةً جماعة ذات قصد واحد مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ لأنفسهم وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ بعيدا عنهم امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ منعا وتمنّعا لما يجب المنع عنه قالَ لهما وهو على تعبه ، رأفة بهما بين الرجال ما خَطْبُكُما مهمتكما أن جاء بكما إلى هنا ، وذلك فعل الرجال قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ تمنّعا عن الخلط بهم وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يقدر على السقي ، مما اضطرنا أن نسقي . 24 - فَسَقى موسى لَهُما الامرأتين الذايدتين ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ من حر الشمس وسائر الحر نفسيا وما أشبه فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ كإحدى الامرأتين فَقِيرٌ وكذلك سائر ما أنزلت إلي ، خير حيوي روحي وبدني . 25 - فَجاءَتْهُ قريبا منه إِحْداهُما حال أنها تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ لأن لمجيئها إذا معنى قالَتْ فور وصولها إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا وفيه تحقق دعاء منه فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ التي حصلت قالَ لموسى لا تَخَفْ بعد ، فإنك نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . 26 - قالَتْ إِحْداهُما وكأنها التي جاءته يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ لمحة إلى أنه ما قبل أجرة ما سقى لهما إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ لحاجياتك المنزلية الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فقوة دون أمانة ، أو أمانة دون قوة ، فضلا عن عدمهما ، لا يجلب لذلك الاستيجار ، وقد عرفت قوته عند سقيه لهما ، وأمانته عندما جاءته وطلبت منه إتيانه إلى أبيها ، ومن قبل لما سقى لهما " ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ " دون أن يطلب منهما أمرا ، أو يتظاهر بشيء ، اللهم إلا التماسا من اللّه سدا لفقره كما يصلح إن شاء اللّه . 27 - قالَ شعيب إذا إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ مما يدل على تقدم الرجل في قولة النكاح إيجابا ومن ثم القبول من المرأة ، كما هو طبيعة الحال بين الجنسين ، ومما يؤكده : " فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها . . " ( 33 : 37 ) " وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ " ( 44 : 54 ) فمن الصعب جدا تحميل الإيجاب على المرأة في حقل النكاح ، لأنها مكمن الاستحياء ، والرجل هو الذي يمشي وراء المرأة للنكاح دون العكس إلا شذرا ، فهذه غلطة فقهية أن الإيجاب - وهو مقدم على القبول - هو على المرأة والقبول على الرجل ، خلاف الطبيعة الأنثوية ونص القرآن عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي وهو الصداق وقد قبلته أن يكون لأبيها بقولها : " اسْتَأْجِرْهُ " ولأن إجارته راجعة إلى كل العائلة وهي منهم ثَمانِيَ حِجَجٍ سنين ، مما يعظم موقف الحج خلال كل سنة فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ تخيرا فيه دون شرط وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ في ذلك الاستيجار سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ فيما أعمل فإن رعاية الغنم ضرورة الرسالة ، ولا سيما الموسوية حيث عاش ردحا في عرش النعومة والفرح . 28 - قالَ موسى لشعيب ذلِكَ الإيجار الموقت بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ المقررين قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ ولا سيما الزائد على الفرض وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ .